الأحد، 18 سبتمبر، 2011

فنجانى

منذ صغري وانا اعشق قراءة الفنجان, فقد مثلت لى دوماً قراءة الغيب او معرفة ما لا يعرفة الانسان عن نفسة او عن الاخرون. و قد بدأت قصتي مع الفنجان حين كنت اجالس صديقة امى التي عُرفت لدى الناس بالحكمة و الايمان, مما جعلها تستطيع ان ترى في الفنجان كل مايدور من حولها وأن تعرف اشياء مخفيه حتى عن صاحب الفنجان نفسه. فكانت عندما تأتى الى البناية التي كانت تسكن فيها عائلتي, يتجمع كل نساء البناية في منزلي فيلتفون حول تلك المرأة التي تكبرني بستين عاماً تقريبا. و كانت امي تبدأ في اعداد القهوة و ملىء الفناجين, و لم تفت مرة دون ان تؤكد تلك السيدة العجوز على اهمية ان تكون الفناجين بيضاء ناصعة البياض حتى يتسنى لها اتضاح الرؤية على حد قولها, و ما ان تشرع في قراءة اول فنجان حتى ترتسم تعبيرات الخوف و القلق على اوجه النساء الجالسات و كأنهم في انتظار نتيجة اختبارمصيري. كنت دائماً انتظر ان اسمع المكتوب في فنجان امى املا مني في ان يذكر اسمي او اي شيء عني. و كنت كلما اطلب ان تقرأ لي مثلهم تواجهني امي بمقولة اذكرها جيدا "عندما تكبرين قليلا تستطيعين ان تخوضي هذه التجربة". كنت اسمعها تقرا الفناجين و كانني اسمع صوت الله الذي لا يخفى عليه شيء, الذي يعلم ما حدث, ما يحدث و ما سيحدث. و في كل مرة كانت تاتي فيها الى منزلنا كنت احلم بهذا اليوم الموعود.
و عندما كبرت اصبحت انتهز كل الفرص لكي اخوض هذه التجربة, فصرت اطلب من كل ممن اقابلهم و اكتشف انهم يملكون تلك الموهبة ان يقرأ لي الفنجان فلم اترك احدا دون ان يقرا سطرا في كتاب حياتي. و قد اعتاد فنجاني ان يُظهر بعض الرموز الغريبه كما هو الحال في اسلوب حياتي ككل فبين وحوش اسطورية و خيالات لا تفسير لها و بين تقلبه بين لحظات السعادة البسيطة و بين لحظات اخرى يظهر فيها باكيا شديد التعقيد. و لكني احتفظت بشعوري الذي ظل يراودني منذ كنت صغيرة بأنه دائما يقول لي اشياء في بعض الاحيان تجعلني سعيدة جدا و اريد ان اقوم بكل تلك الاشياء البسيطة التي من شأنها ان تسعدني و من حولي, و في احيان اخرى اتركه و انا باكيه مكتئبه كما كان الحال مع فنجان عمتي الذي لم يجعلها يوما سعيدة بل كان دائما ما يتنبأ لها بأن الحزن قادم.
و بعيدا عن كل تلك الخلفيات التي اكتسبتها من قصتي البسيطة, دائما ما يجول تساؤلاً في خاطري؛ هل هذا الكلام صحيح؟ هل حقا يستطيع هؤلاء الاشخاص ان يقرأوا خطوط البن و ان يعرفوا من خلالها الرسم التفصيلي لخطوط الحياة. فقد يوجد من يدعون ان الفنجان عندما يضعه الشخص على فمه فكأنه قد انتسب اليه كما لو كان قد وضع عليه بصمته الشخصية او المفتاح الشخصي لباب اسرار حياته و قد كانت تلك هي نظرتي لقراءة الفنجان عندما كان عمري 7 سنوات و لكني مع الوقت اصبحت اعتبره كنوع من العلم بالشيء حتى اصبحت الاشياء التي تقال لي انساها .
و يوجد نوع اخر يقولون انه مجرد خرافة و انه من المستحيل ان يعلم احد الغيب او يقرا ما يحدث من حوله للناس, و ان هذا نابع من الجهل و التخلف اللذان تربينا عليهما و انه مجرد تقليد قديم. نصل من هنا الى نتيجة مفادها ان الانسان دائما و طوال حياته على الارض يبحث عن المفتاح السحري او البلورة المسحورة التي تستطيع ان تكشف له كل ما يحدث من حوله و ما سيأتي في المستقبل, و هذا لان الانسان دائما ما يخاف مما لا يراه و ما لا يعرفه, و لكني ارى ان هذه البلورة من المستحيل ان يجدها احد لان متعة لعبة الحياة ان يلعب الشخص مع خصمه و هو لا يعرف خطته و لا يتوقع حركته القادمة. هذا ما يجعل للحياة مذاق, ان يكون جزء معلن و جزء اخر مخفي و ايضا انه مع استمرار تلك اللعبة المدعوة بالحياة و تمرسه فيها سوف يصبح الانسان على قدر كافي لأن يعرف او حتى يعطي مجرد تخمين بما سترد به الحياة على لعبته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق